الجاحظ
195
الحيوان
فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ [ 1 ] ، فأخبر أنّه مبعوث ، وأنه هو اختاره لذلك من بين جميع الطّير . قال صاحب الدّيك : جعلت الدّليل على سوء حاله وسقوطه الدّليل على حسن حاله وارتفاع مكانه . وكلما كان ذلك المقرّع به أسفل كانت الموعظة في ذلك أبلغ . ألا تراه يقول : يا وَيْلَتى أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ [ 1 ] . ولو كان في موضع الغراب رجل صالح ، أو إنسان عاقل ، لما حسن به أن يقول : يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا العاقل الفاضل الكريم الشّريف . وإذا كان دونا وحقيرا فقال : أعجزت وأنا إنسان أن أحسن ما يحسنه هذا الطائر ، ثمّ طائر من شرار الطير . وإذا أراه ذلك في طائر أسود محترق ، قبيح الشّمائل ، رديء المشية ، ليس من بهائم الطير المحمودة ، ولا من سباعها الشريفة ، وهو بعد طائر يتنكّد به ويتطيّر منه ، آكل جيف ، رديء الصّيد . وكلما كان أجهل وأنذل كان أبلغ في التّوبيخ والتّقريع . وأمّا قوله : فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ [ 1 ] فلم يكن به على جهة الإخبار أنّه كان قتله ليلا ، وإنما هو كقوله : وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ [ 2 ] . ولو كان المعنى وقع على ظاهر اللّفظ دون المستعمل في الكلام من عادات الناس ، كان من فرّ من الزّحف ليلا لم يلزمه وعيد . وإنما وقع الكلام على ما عليه الأغلب من ساعات أعمال الناس ، وذلك هو النّهار دون اللّيل . وعلى ذلك المعنى قال صالح بن عبد الرحمن ، حين دفعوا إليه جوّابا الخارجيّ ليقتله ، وقالوا : إن قتله برئت الخوارج منه ، وإن ترك قتله فقد أبدى لنا صفحته . فتأوّل صالح عند ذلك تأويلا مستنكرا : وذلك أنّه قال : قد نجد التّقيّة تسيغ الكفر ، والكفر باللسان أعظم من القتل والقذف بالجارحة . فإذا جازت التقيّة في الأعظم كانت في الأصغر أجوز . فلما رأى هذا التأويل يطّرد له ، ووجد على حال بصيرته ناقصة ، وأحسّ بأنّه إنما التمس عذرا ولزّق الحجّة تلزيقا فلمّا عزم على قتل جوّاب ، وهو عنده واحد الصّفرية في النّسك والفضل قال : إني يوم أقتل جوّابا على هذا الضّرب من التأويل
--> [ 1 ] 31 / المائدة : 5 . [ 2 ] 16 / الأنفال : 8 .